ابن العربي
327
أحكام القرآن
وروى أنّ رجلا قال للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ في حجري يتيما أآكل من ماله ؟ قال : نعم ، غير متأثّل « 1 » مالا ولا واق مالك بماله . قال : يا رسول اللّه ، أفأضربه ؟ قال : ما كنت ضاربا منه ولدك . وهذا وإن لم يثبت مسندا فليس يجد عنه أحد ملتحدا ؛ لأنّ المقصود الإصلاح ، وإصلاح البدن أوكد من إصلاح المال ؛ والدليل عليه أنه يعلّمه الصلاة ، ويضربه عليها ، ويكفّه عن الحرام بالكهر « 2 » والقهر . المسألة الخامسة عشرة - قوله تعالى : فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ . قال علماؤنا : أمر اللّه تعالى بالإشهاد تنبيها على التحصين وإرشادا إلى نكتة بديعة ؛ وهي أنّ كلّ مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بإشهاد على دفعه ؛ لقوله تعالى : فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ، وهو عنده أمانة ، فلو ضاع قبل قوله ، فإذا قال دفعت لم يقبل إلا بالإشهاد ؛ لأنّ الضياع لا يمكنه إقامة البينة عليه وقت ضياعه ، فلا يكلّف ما لا سبيل إليه ؛ والبينة يقدر أن يقيمها حال الدفع فتفريطه فيها موجب عليه الضمان . وقال علماؤنا في الوديعة مثله ، وهي عندنا محمولة ونظيرة له . وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي وقالا : إنها أمانة ؛ فكان القول قوله . قلنا : لو رضى أمانته بالردّ ما كتب عليه الشهادة بالعقد . الآية السابعة - قوله تعالى « 3 » : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - في سبب نزولها : قال قتادة : كان أهل الجاهلية يمنعون النساء الميراث ويخصّون به الرجال ، حتى كان الرجل منهم إذا مات وترك ذريّة ضعافا وقرابة كبارا استبدّ بالمال القرابة الكبار . وقد روى أن « 4 » أن رجلا من الأنصار مات وترك ولدا أصاغر وأخا كبيرا ، فاستبدّ بماله ،
--> ( 1 ) أي غير جامع ، كما في النهاية . ( 2 ) الكهر : الانتهار . ( 3 ) الآية السابعة من السورة . ( 4 ) في أسباب النزول 82 : أن أوس بن ثابت توفى وترك امرأة وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابن عم الميت ووصياه . . .